خلوة النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء:

57

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

موقع غار حراء:

غار حراء هو عبارة عن فجوة صخريّة صغيرة، تقع في أعلى جبل حراء المشرف على مكة المكرمة الذي يطلق المسلمون عليه اسم جبل النور أو جبل الإسلام تيمنًا بحادثة نزول الوحي الأول لنور القرآن الكريم على الرسول محمد -عليه الصلاة والسلام- ويقع جبل حراء شمال شرق مكة، على يسار الذاهب إلى جبل عرفات، بارتفاعٍ يصل إلى 634 م، ويبعد عن المسجد الحرام مسافة أربعة كيلومترات تقريبًا، ويدخل المرء إلى الغار متجهًا إلى الكعبة من فتحة بابها نحو الشمال بطول أربعة أذرع وعرض ذراع وثلاثة أرباع، وهو لا يتّسع لأكثر من خمسة أشخاص، وهذه ذكر لحال النبي في غار حراء قبل البعثة مع سرد لقصة نزول الوحي ومكانة الغار عند المسلمين.

أول من تعبد في غار حراء:

أكد الكثير في الأئمة والفقهاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم عن غار حراء من خلال جده عبد المطلب الذي رباه بعد أن توفي والده، وقد كان يذهب عبد المطلب إلى الغار من أجل التعبد بعيدا عن الناس

فقد كان غار حراء غير معلوم بالنسبة للكثير من أهل قريش، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم غار حراء من قبل جده، وقد كان يرى عبد المطلب الكعبة من فوق ذلك الغار وبعد وفاة الجد أقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذهاب إلى غار حراء كل فترة من أجل التعبد والتأمل في الكون وفي خالق الكون

حتى نزل عليه الوحي وبعثه الله عز وجل بالرسالة والدعوة إلى دين الله الواحد، ويذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقصد غار حراء  بعد أن بعثه الله عز وجل بالرسالة.اقرأ أيضاً: بناء الكعبة

خلوة النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء:

لما أخذت سنّ النبي صلى الله عليه وسلم تدنو نحو الأربعين، نشأ لديه حب للعزلة بين الفترة والأخرى، وحبب الله إليه الاختلاء في غار حراء- لم يطمئنّ محمدٌ -عليه الصلاة والسلام- لحال قومه في معيشتهم، ولا في عقيدتهم، ونفر من أولئك القوم الذين يعيشون حياةً قبليةً تملؤها صراعات السيطرة والنفوذ

وقد اتبعوا دين آبائهم الذين تركوا ملّة إبراهيم الحنيفية التوحيدية، وسجدوا لأصنام صنعوها بأيديهم من الحجارة لا ترد عنهم شرًا ولا سوءًا، ولا تنهاهم عن منكر؛ حتى انتشر بينهم الزنا وشرب الخمر ووأد البنات وأكل الربا، وغيرها من الرذائل والآثام.

وقد تأمّل النّبي -عليه الصلاة والسلام- حال هؤلاء القوم، فلم تجد عقيدتهم سبيلًا إلى قلبه؛ لما أحاطه الله به من رعاية وعناية وفطرة سليمة، وقد دفعه هذا الحال إلى اعتزالهم، فكان يتزود من الطعام والشراب، ويخرج إلى رؤوس الجبال المشرفة على مكة، يتأمل ويتفكر

وكان أكثر جلوسه ومبيته في غار حراء، يتعبد ربّه في الليالي ذوات العدد، بعيدًا عن الشرك وأهله، ولم يتحدث أي من المصادر عن صفات وهيئات الحركات التي كان يتخذها -عليه الصلاة والسلام- في عبادته، وإنما تذكر الأخبار والأحاديث أنه عندما اقترب من سنّ الأربعين ازدادت مدد غيابه، وحُبّب له طول التأمل، ولاسيما في شهر رمضان

ويتعبد فيه الليالي ذوات العدد، فتارة عشرة وتارة أكثر من ذلك إلى شهر، ثم يعود إلى بيته فلا يكاد يمكث فيه قليلا حتى يتزود من جديد لخلوة أخرى ويعود الكرة إلى غار حراء، وهكذا إلى أن جاءه الوحي وهو في إحدى خلواته تلك

بدء الوحي في غار حراء:

روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها تصف كيفية بدء الوحي في غار حراء على النبي صلى الله عليه وسلم تقول:

“أول ما بدئ به رسول الله صلّى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء،

فجاءه الملك فقال له اقرأ، فقال ما أنا بقارئ، قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربّك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربّك الأكرم الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، فرجع بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم يرجف فؤاده.

فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: زملوني، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق،

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وكان ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل في العبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. اقرأ أيضاً: زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة رضي الله عنها 

فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلّى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس (أي جبريل أو الوحي) الذي نزل على موسى يا ليتني فيها جذعا (شابا قويا) ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي.

واختلف في الزمن الذي فتر فيه الوحي فقيل ثلاث سنوات، وقيل أقل من ذلك، والراجح ما رواه البيهقي من أن المدة كانت ستة أشهر

نزول الوحي في المرة الثانية بعد غار حراء:

روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه:

“بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني، زملوني، فأنزل الله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ إلى قوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ فحمي الوحي وتواتر”

مكانة غار حراء عند المسلمين:

وجد النبي -صلى الله عليه وسلم- في غار حراء ضالته من صفاء الذهن للتفكر في عظمة الخالق ومدى بعد الناس عن حقيقته الواضحة مفضلين سلوك درب الضلالة بعقيدة سطحية وسقوط رهيب في بحور الشهوات والملذات

ومع ما حظي به غار حراء من شرفٍ عظيم لدى المسلمين تتمثل بتعبد نبيهم فيه، وببداية نزول الوحي عليه، وهي الخطوة الأول في مسيرة هذه الأمّة؛ إلا أنّ الأخبار تنصّ على أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يقصد غار حراء أبدًا بعد هذه الحادثة للتعبد أو التفكر فيه، لا قبل الهجرة ولا بعدها، وعليه نصّ أهل العلم بعدم جواز قصد غار حراء بهدف التعبد والتفكر، ولا لغاية التبرّك.

السر في تسميته غار حراء:

غار حراء كما اسلفنا هو ذلك الغار الذي شهد نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، و قد عرف باسم غار حراء لأنه تواجد في جبل عرف باسم جبل حراء، أي أن اسمه غار جبل حراء، ذلك الجبل الذي أعيد تسميته بعد ذلك ليعرف بجبل النور،

و كان هذا بعد أن  نزل الوحي على رسول الله  صلى الله عليه وسلم لأول مرة، و هو غار صغير بصوب الكعبة المشرفة، و بالنسبة لما يميز هذه المنطقة على وجه التحديد، فهي أن الحجارة الأولى التي تم بناء الكعبة بها كانت من هذا الجبل، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائم التواجد فيه و التعبد فيه، قبل البعثة النبوية، و فيه نزل الوحي لأول مرة.

الخلوة والتفكر في الإسلام:

إنّ لخلوة النّبي -عليه الصلاة والسلام- في غار حراء دلالاتٍ عظيمةً في حياة المسلم، فهي توضح أنّ أداء الواجبات والقيام بألوان العبادة لا تغني عن ساعات الخلوة التي يحاسب الإنسان بها نفسه لتقيمها وتثقيفها وإزالة ما بها من أدرانٍ وآفاتٍ يصنعها خوض الإنسان في الدنيا ومظاهرها عالعُجب والكبر والحسد،

وهي آفات مبطنّة، تفسد النفس، وتبعدها عن حقيقة العبودة لله والتسليم له، وتأخذ بالإنسان شيئًا فشيئًا فيبتعد عن فهم حقيقته وضعف وحاجته المستمرة لخالقه.

وعلى المسلم ألّا يغفل عن فضل عبادة التفكر، ودورها في زيادة قربه من الخالق المدبر، وتربية القلب على التعلق بالله من خلال التأمل بآياته الكونية، والتفكر بخلق الإنسان وغيره من المخلوقات،

وهذا ما يجعل ذكر الله دائمًا في القلب واللسان؛ ليصل الإنسان إلى معرفة مدى عظمة الله فيستصغر كل عظيم من دون الله، ويحتقر مغريات هذه الحياة، فيبقى في جميع أحواله مراقبًا لله، حاضرًا في تقواه، بعيدًا عن كل ما يغضب الله ونبيه -عليه الصلاة والسلام-

العبر والعظات من الخلوة في غار حراء:

إن لهذه الخلوة التي حببت إلى قلب رسول الله صلّى الله عليه وسلم قبيل البعثة، دلالة عظيمة جدا، لها أهمية كبرى في حياة المسلمين عامة والداعين إلى الله بصورة خاصة.

  • فهي توضح أن المسلم لا يكمل إسلامه مهما كان متحلياً بالفضائل قائما بألوان العبادات، حتى يجمع إلى ذلك ساعات من العزلة والخلوة يحاسب فيها النفس، ويراقب الله تعالى، ويفكر في مظاهر الكون، ودلائل ذلك على عظمة الله.

هذا في حق أي مسلم يريد لنفسه الإسلام الصحيح، فكيف بمن يريد أن يضع نفسه موضع الداعي إلى الله والمرشد إلى الطريق الحق.

وحكمة ذلك أن للنفس آفات لا يقطع شرتها إلا دواء العزلة عن الناس، ومحاسبتها في نجوة من ضجيج الدنيا ومظاهرها. فالكبر، والعجب والحسد، والرياء، وحبّ الدنيا، كل ذلك آفات من شأنها أن تتحكم في النفس وتتغلغل إلى أعماق القلب

وتعمل عملها التهديمي في باطن الإنسان على الرغم مما قد يتحلى به ظاهره من الأعمال الصالحة والعبادات المبرورة، ورغم ما قد ينشغل به، من القيام بشؤون الدعوة والإرشاد وموعظة الناس.

ثم ليتفكر في مظاهر عظمة الله وفي اليوم الآخر وفي الحساب وطوله، وفي عظيم رحمة الله وعظيم عقابه. فعند التفكير الطويل المتكرر في هذه الأمور تتساقط تلك الآفات اللاحقة بالنفس ويحيا القلب بنور العرفان والصفاء، فلا يبقى لعكر الدنيا من سبيل إلى تكدير مرآته.

  • وشيء آخر له بالغ الأهمية في حياة المسلمين عامة وأرباب الدعوة خاصة: هو تربية محبة الله عزّ وجلّ في القلب. فهو منبع التضحية والجهاد وأساس كل دعوة متأججة صحيحة، ومحبة الله تعالى لا تأتي من مجرد الإيمان العقلي به، فالأمور العقلانية وحدها ما كانت يوما ما لتؤثر في العواطف والقلوب.

ولو كان كذلك، لكان المستشرقون في مقدمة المؤمنين بالله ورسوله، ولكانت أفئدتهم من أشد الأفئدة حبّا لله ورسوله. أو سمعت بأحد من العلماء ضحى بروحه إيمانا منه بقاعدة رياضية أو مسألة من مسائل الجبر

وإنما الوسيلة إلى محبة الله تعالى- بعد الإيمان به- كثرة التفكير في آلائه ونعمه والتأمل في مدى جلاله وعظمته، ثم الإكثار من ذكره سبحانه وتعالى بالقلب واللسان. وإنما يتم كل ذلك بالعزلة والخلوة والابتعاد عن شواغل الدنيا وضوضائها في فترات متقطعة متكررة من الزمن.

فإذا قام المسلم بذلك وتهيأ له أداء هذه الوظيفة، نبتت له من ذلك في قلبه محبة إلهية عارمة، تجعله يستصغر كل عظيم، ويحتقر كل مغرية من المغريات، ويستهين بكل إيذاء وعذاب، ويستعلي فوق كل إذلال أو استهزاء.

فتلك هي العدة الكبرى التي ينبغي أن يتسلح بها الدعاة إلى الله، وتلك هي العدة التي جهز الله بها حبيبه محمدا صلّى الله عليه وسلم ليقوم بأعباء الدعوة الإسلامية.

ذلك لأن الدوافع الوجدانية في القلب من خوف ومحبة ورجاء تفعل ما لا يفعله الفهم العقلي المجرد. ولقد أجاد الشاطبي رحمه الله حينما فرق في هذه الدوافع بين عامة المسلمين الذين دخلوا في ربقة التكاليف بدافع من عموم إسلامهم، وخواصهم الذين دخلوا في ربقة هذه التكاليف يسوقهم ما هو أشد من مجرد التعقل والفهم.

يقول: فالضرب الأول حاله حال من يعمل بحكم عهد الإسلام وعقد الإيمان من غير زائد، والثاني حاله حال من يعمل بحكم غلبة الخوف والرجاء أو المحبة، فالخوف سوط سائق، والرجاء حاد قائد، والمحبة تيار حامل، فالخائف يعمل مع وجود المشقة، غير أن الخوف مما هو أشق يحمل على الصبر على ما هو أهون وإن كان شاقا.

والراجي يعمل مع وجود المشقة أيضا، غير أن الرجاء في تمام الراحة يحمل على الصبر على تمام التعب. والمحب يعمل ببذل المجهود شوقا إلى المحبوب، فيسهل عليه الصعب ويقرب عليه البعيد، وتفنى القوى ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ولا قام بشكر النعمة

واتّخاذ الوسائل المختلفة لتحقيق هذه الدوافع الوجدانية في القلب مما أجمع المسلمون على ضرورته، وهو ما يسمى بالتصوف عند جمهور العلماء والباحثين، أو بالإحسان عند بعضهم، أو بعلم السلوك عند بعض آخر كالإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى

والاختلاء الذي كان يمارسه صلّى الله عليه وسلم قبيل بعثته كان واحدة من هذه الوسائل لتحقيق هذه الدوافع نفسها.

بيد أنه لا ينبغي أن يفهم معنى الخلوة كما شذّ البعض ففهموها حسب شذوذهم، وهو الانصراف الكلي عن الناس واتّخاذ الكهوف والجبال موطنا واعتبار ذلك فضيلة بحدّ ذاتها.

فذلك مخالف لهديه صلّى الله عليه وسلم ولما كان عليه عامة أصحابه. إنما المراد هو استحباب اتخاذ الخلوة دواء لإصلاح الحال كما ذكرنا، والدواء لا ينبغي أن يؤخذ إلا بقدر، وعند اللزوم،

وإلّا انقلب إلى داء ينبغي التوقي منه. وإذا رأيت في تراجم الصالحين من استمر على الخلوة والابتعاد عن الناس، فمردّ ذلك إلى حالة خاصة به، وليس عمله حجة على الناس.

للمزيد اقرأ: فقه السيرة النبوية

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد