إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم

22

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

كانت الدعوة الإسلاميّة في بداية أمرها تتّخذ مجرى السرِّية؛ فقد بدأ الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- بأمرٍ من الله بتبليغ الرسالة للأقربين سرّاً دون علم المشركين، وكان مَقرّ الدعوة السرية التي استمرّت بشكل سرّي مدّة ثلاث سنين في مكّة المُكرَّمة، إلى أن جاء الأمر من الله -سبحانه وتعالى- بالجهر بتبليغ الرسالة دون قتال، قال -عزّ وجلّ-: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)؛وبهذه المرحلة بدأ إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وانتقلت الدعوة من الطابع السرّي إلى الجهر بالدعوة؛ تحقيقاً للغرض الذي جاءت الدعوة من أجله

ما هي مدة الدعوة الجهرية؟

استمرّت الدعوة جهراً إلى حين الهجرة إلى المدينة المُنوَّرة، وبلغت مدّتها عشر سنوات؛ إذ بدأ -عليه الصلاة والسلام- بدعوته لأهله، وعشيرته من بني هاشم، وبني عبد المطلب، ثمّ جاءت الأوامر الإلهية بتوسيع دائرة الدعوة إلى قبيلة قريش كلّها، فما كان من قريش إلّا أن تصدّت لرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بكلّ ما تملكه من الأساليب؛ لتنفيره هو ومن معه، ومنعهم من إتمام الدعوة؛

وسبب هذه المعارضة ما جاء به الرسول -عليه السلام- من أوامر تُعارض أفكارهم، وعاداتهم، وعباداتهم؛ إذ أمرهم بترك عبادة الأصنام، وعبادة الله وحده، وأمرهم بترك العادات المذمومة، والتحلّي بمكارم الأخلاق، إلّا أنّ المشركين أعرضوا عن دعوته، وأضمروا له العداوة والبغضاء،

فجاء الأمر الإلهيّ للرسول -صلّى الله عليه وسلّم- بالاستمرار بالدعوة، والإعراض عن المشركين، وعدم الاكتراث لهم؛ بقوله -تعالى-: (فَاصدَع بِما تُؤمَرُ وَأَعرِض عَنِ المُشرِكينَ).

صُور من إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم:

إن قريشا اشتدت في معاداتها لرسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، أما رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقد لاقى من إيذائهم أنواعا كثيرة.

عقبة بن أبي معيط:

من أمثلة إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «بينا النبي صلّى الله عليه وسلم يصلي في حجر إسماعيل إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي صلّى الله عليه وسلم وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟»

ومن أمثلة إيذاء قريش للرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً، ما روى عبد الله بن عمر قال: «بينا النبي صلّى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش، جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور فقذفه على ظهر النبي صلّى الله عليه وسلم، فلم يرفع رأسه، فجاءت فاطمة رضي الله عنها فأخذته من ظهره ودعت على من صنع ذلك»

ومن إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم أيضاً، ما كانوا يواجهونه به من فنون الهزء والغمز واللمز كلما مشى بينهم أو مرّ بهم في طرقاتهم أو نواديهم.

ومن إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ما رواه الطبري وابن إسحاق أن بعضهم عمد إلى قبضة من التراب فنثرها على رأسه وهو يسير في بعض سكك مكة، وعاد إلى بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله يقول لها: «يا بنية لا تبكي، فإن الله مانع أباك»

عمارة بن الوليد:

ومن صور إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، محاولتهم مبادلة الرسول صلى الله عليه وسلم بعمارة بن الوليد: “كان عمارة بن الوليد بن المغيرة من أجمل شباب قريش، فجاءت به قريش إلى أبي طالب؛ ليتّخذه ولداً له، ويُعطيهم مقابله الرسول -عليه السلام-؛ ليقتلوه؛ ظنّاً منهم أنّ أبا طالب سيوافق على طلبهم؛ لأنّه رفض الدخول في دين الإسلام،

إلّا أنّ أبا طالبٍ صدّهم قائلاً:” والله لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذيه لكم، وأعطيكم ابني فتقتلونه، هذا والله ما لا يكون أبدًا”

دار الندوة:

من صور إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم محاولة دار الندوة:عقد كبار المشركين اجتماعاً في دار الندوة؛ ليتشاوروا فيما بينهم بشأن الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وكيفيّة التخلُّص منه، فعرض أحدهم تفويض شابٍّ من كلّ قبيلة يتّسم بالقوة والغلظة لهذا الأمر، فيأخذ سيفاً، ويحاصروا بيت الرسول الكريم، ومن ثمّ يهجموا عليه هجمةً واحدة، ويقتلوه، فيتفرّق دمه بين القبائل،

إلّا أنّ عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- افتدى رسول -صلّى الله عليه وسلّم-؛ حيث نام في فراشه، ونجا -عليه الصلاة والسلام- من القتل.

سراقة بن مالك:

ومن صور إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، محاولة سُراقة بن مالك: لحق سُراقة بن مالك بأثر الرسول الكريم، والصحابيّ الجليل أبي بكر الصديق عند هجرتهما إلى المدينة؛ طمعاً في الجائزة التي أعدّتها قريش لمَن يأتي بمحمد -عليه الصلاة والسلام-؛ حيّاً، أو ميّتاً،

فحاول سُراقة جاهداً الوصول إلى الرسول الكريم، وصاحبه؛ حيث رَكب فَرَسه، وأخذ معه سلاحه، وسار؛ ليدرك محمداً -عليه الصلاة والسلام- قبل أن يدركه أحدٌ سواه، إلّا أنّه كان كلّما اقتربت فَرسه من مكان الرسول -عليه الصلاة السلام- ثَقُلت أقدامها في الرمال، وسقط عنها، ثمّ أكمل سيره حتى وصل إلى مكانٍ قريبٍ من الرسول، وصاحبه،

وطلب منه الأمان؛ حتى لا تسقط فرسه مُجدّداً، وأن يُنجّيه الله ممّا هو فيه، فأعطاه الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- الأمان، وكتب بينهم معاهدة، وأمره أن يُخفي الخبر عن قريش.

عمير بن وهب الجمحي:

ومن صور إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم أيضاً: محاولة عُمير بن وهب الجمحي: كان عُمير يجلس إلى جانب صفوان بن أمية في الكعبة، فاتّفقا على أن يذهب عمير إلى المدينة؛ لقتل محمد -عليه الصلاة والسلام-، ويبقى صفوان في مكّة؛ يحمي أهل عمير، ويُعيلهم لو حدث له مكروه،

وعندما وصل إلى المدينة المُنوّرة، دخل على الرسول -عليه الصلاة والسلام- المسجد يرتدي سيفه، وقال له: أَنعم صباحاً، فأخبره الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- أنّ الله أبدله تحيّةً خيراً منها؛ وهي السلام التي تُعَدّ تحيّة أهل الجنّة، ومن ثمّ سأله عن سبب قدومه، فأخبره عُمير أنّه جاء من أجل أسير له عندهم؛ ليُحسنوا إليه،

فسأله الرسول عن السيف الذي في عنقه، فكان ردّ عُمير أنَّ هذا السيف لا يُغني شيئاً، وأنّه لم يأتِ من أجل القتال، إلّا أنّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان يعلم سبب قدومه؛ بوَحي من الله، فأخبره بأنّه ما جاء إلّا لقتله،

وذكّره بالذي دار بينه وبين صفوان بن أمية، وحينها أدرك عُمير صدق رسول الله، وأنّه نبيّ من عند الله، فنطق الشهادتَين، ودخل في الإسلام، وبعد ذلك أمر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أصحابه بتعليم عُمير أحكام الإسلام، وقراءة القرآن.

محاولة أبو جهل قتل النبيّ:

ومن صور إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم عقد أبو جهلٍ اجتماعاً مع قومه ذات يوم يخبرهم فيه عن أفعال النبيّ محمد -عليه الصلاة والسلام-؛ من تسفيهٍ لآلهتهم، وتعييب لدينهم، ورأى أنّ قتلَ الرسول خير فعل؛ للتخلُّص ممّا جاء به، وعاهدهم على قتله، فأتى إلى رسول الله وهو يُصلّي، وأخذ يراقبه من بعيد، وعندما سجد، ووضع جبهته على الأرض، أخذ أبو جهل حجراً يُحاول أن يرميَه عليه، إلّا أنّ الله منعَه، وأنقذ نبيّه الكريم من غدره، ونجّاه من شرّه.

إيذاء المشركين للرسول يوم أحد: كان يوم أحد يوم بلاء للمسلمين؛ ففي هذا اليوم تعرّض الرسول الكريم لأشدّ أنواع العذاب الجسديّ؛ إذ توجّه الأعداء إليه، ورمَوه بالحجارة حتى وقع، وأُغمِي عليه، وشُقَّ وجهه، وجُرِحت شفته السُّفلى، وأُصِيب في جبهته، إلّا أنّ المؤمنين ثبتوا في وجه الأعداء، ووقفوا لحماية الرسول من نبال المشركين،

حتى أنّ نسيبة؛ أم عمارة الأنصارية شاركت في القتال بالسيف يوم أحد، ورمَت النَّبل؛ دفاعاً عن الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- حتى أُصِيبت في عنقها، فدعا لها رسول الله بالبركة، وبرفقته في الجنّة.

إيذاء أبي لهب وزوجته للنبيّ: ومن صور إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم تعرّض الرسول للكثير من الأذى من قِبل أبي لهب وزوجته؛ إذ كانت شريكة لزوجها في صَبّ الأذى على رسول الله، وإعلان تكذيب دعوته، وقد نزلت في أبي لهب وامرأته سورةُ المسد؛ بقوله -تعالى-: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ*وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ*فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)،[١٤]

ومن أفعال زوجته أنّها كانت تضع الشوك في الطريق الذي يمشي فيه الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وكانت تضع الأوساخ على باب بيته، وكانت تؤذيه بلسانها، وتُفسد بينه وبين الناس بالنميمة، وعندما علمت أنّ الله توعّدها بالنار هي وزوجها، أتَت إلى الرسول بالحجارة تُريد رميَه بها، إلّا أنّ الله صرفَ نظرها عن الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-

صور من إيذاء قريش للصحابة رضوان الله عليهم:

وأما أصحابه رضوان الله عليهم، فقد تجرع كل منهم ألوانا من العذاب، حتى مات منهم من مات تحت العذاب وعمي من عمي، ولم يثنهم ذلك عن دين الله شيئا. ويطول البحث لو ذهبنا نسرد نماذج عن العذاب الذي لاقاه كل منهم.

ولكنا ننقل هنا ما رواه الإمام البخاري عن خبّاب بن الأرتّ أنه قال: «أتيت النبي صلّى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت يا رسول الله: ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر الوجه، فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه.

وليتّمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله»

العبر والعظات في إيذاء قريش للرسول وأصحابه:

أول ما قد يخطر في بال المتأمل، حينما يرى قصة ما لقيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين، من صنوف الإيذاء والتعذيب، هو أن يتساءل: فيم هذا العذاب الذي لقيه النبي وأصحابه وهم على الحق؟ ولماذا لم يعصمهم الله عز وجل منه وهم جنوده وفيهم رسوله يدعون إلى دينه ويجاهدون في سبيله؟

والجواب: أن أول صفة للإنسان في الدنيا، أنه مكلف، أي أنه مطالب من قبل الله عز وجل بحمل ما فيه كلفة ومشقة. وأمر الدعوة إلى الإسلام والجهاد لإعلاء كلمته من أهم متعلقات التكليف، والتكليف من أهم مستلزمات العبودية لله تعالى، إذ لا معنى للعبودية لله تعالى إن لم يكن ثمة تكليف.

وعبودية الإنسان لله عز وجل ضرورة من ضرورات ألوهيته سبحانه وتعالى.

فلا معنى للإيمان بها إن لم ندرك عبوديتنا له، فقد استلزمت العبودية- إذن- التكليف، واستلزم التكليف تحمل المشاق ومجاهدة النفس والأهواء.

ومن أجل هذا كان واجب عباد الله في هذه الدنيا تحقيق أمرين اثنين:

أولهما: التمسك بالإسلام وإقامة المجتمع الإسلامي الصحيح.

ثانيهما: سلوك السبل الشاقة إليه واقتحام المخاطر وبذل المهج والمال من أجل تحقيق ذلك.

أي إن الله عز وجل كلفنا بالإيمان بالغاية، وكلفنا إلى جانب ذلك بسلوك الوسيلة الشاقة الطويلة إلى هذه الغاية مهما بلغت المسألة في خطورتها وصعوبتها.

ولو شاء الله لجعل السبيل إلى إقامة المجتمع الإسلامي بعد الإيمان به، سهلا معبّدا، ولكن السير في هذه السبيل لا يدل حينئذ على شيء من عبودية السالك لله عز وجل وعلى أنه قد باع حياته وماله له عز وجل يوم أن أعلن الإيمان به،

وعلى أن جميع أهوائه تابعة ومنقادة لما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلم، ولأمكن حينئذ أن يلتقي على هذه الجادة المؤمن والمنافق والصادق والكاذب، فلا يتمحص الواحد منهم عن الآخر.

الحكمة من معاناة الدعاة على مر العصور

إن ما يلاقيه الدعاة إلى الله تعالى والمجاهدون في سبيل إقامة المجتمع الإسلامي، سنة إلهية في الكون منذ فجر التاريخ تقتضيها حكم ثلاث:

أولا: صفة العبودية الملازمة للإنسان، لله عز وجل، وصدق الله إذ يقول: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات 51/ 56 ]

ثانيا: صفة التكليف المتفرعة عن صفة العبودية، فما من رجل أو امرأة يبلغ أحدهما، عاقلا، سن الرشد، إلا وهو مكلف من قبل الله عز وجل بتحقيق شرعة الإسلام في نفسه وتحقيق النظام الإسلامي في مجتمعه، على أن يتحمل في سبيل ذلك كثيرا من الشدة والأذى، حتى يتحقق معنى التكليف.

ثالثا: إظهار صدق الصادقين وكذب الكاذبين. فلو ترك الناس لدعوى الإسلام ومحبة الله تعالى على ألسنتهم فقط، لاستوى الصادق والكاذب. ولكن الفتنة والابتلاء، هما الميزان الذي يميز الصادق عن الكاذب.

وصدق الله القائل في محكم كتابه: {الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ} [العنكبوت 29/ 1، 3] والقائل: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}

وإذا كانت هذه هي سنة الله في عباده، فلن تجد لسنة الله تبديلا حتى مع أنبيائه وأصفيائه.

من أجل ذلك كان إيذاء قريش للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأوذي من قبله جميع الأنبياء والرسل، ومن أجل ذلك أوذي أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى مات منهم من مات تحت العذاب، وعمي من عمي، رغم عظيم فضلهم وجليل قدرهم عند الله عز وجل.

فإذا أدركت طبيعة العذاب الذي يلقاه المسلم في طريقه إلى إقامة المجتمع الإسلامي، علمت أنه ليس في حقيقته عقبات أو سدودا تصد السالك أو المجاهد عن بلوغ الغاية، كما قد يتوهم بعض الناس. بل هو سلوك في الطريق الطبيعي الذي خطه الله تعالى بين المسلم والغاية التي أمره بالسير إليها. أي أن المسلمين يقربون من الغاية التي كلفهم الله بالوصول إليها، بمقدار ما يجدونه في طريقهم إلى ذلك من العذاب، وبمقدار ما يتساقط منهم من الشهداء.

ولذا، فإنه لا ينبغي للمسلم أن يتوهم اليأس، إذا ما عانى شيئا من المشقة أو المحنة. بل العكس هو الأمر المنسجم مع طبيعة هذا الدين. أي إن على المسلمين أن يستبشروا بالنصر كلما رأوا أنهم يتحملون مزيدا من الضر والنكبات سعيا إلى تحقيق أمر ربهم عز وجل.

وتأمل فإنك ستجد برهان هذا جليا في قوله تعالى:

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ، وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة 2/ 214]

فقد كان جواب أولئك الذين لم يفهموا طبيعة العمل الإسلامي، وتوهموا أن هذا الذي يرونه من الأذى والعذاب إنما هو عنوان ودليل على ابتعادهم عن النصر، كان جواب هؤلاء من الله تعالى: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.

وتجد برهان هذا جليا فيما رويناه من قصة خباب بن الأرتّ رضي الله عنه، حينما جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقد غالبه العذاب الذي اكتوى به معظم جسده، يشكو إليه صلّى الله عليه وسلم ذلك ويسأله الدعاء للمسلمين بالنصر.

فقد كان جواب رسول الله صلّى الله عليه وسلم له بهذا المعنى:

إن كنت تتعجب من العذاب والأذى وتستغرب أن ترى ذلك في سبيل الله عز وجل، فاعلم أن هذا هو السبيل.. وتلك هي سنة الله في جميع عباده الذين آمنوا به:

مشّط الكثير منهم في سبيل دينه بأمشاط الحديد ما بين المفرق والقدم فما صدهم ذلك عن شيء من دين الله، وإن كنت ترى في العذاب دلائل اليأس والقنوط من النصر، فأنت متوهم.

وليست المسألة أن ترتبط الفتوحات باسم رسول الله صلّى الله عليه وسلم وتتم بقيادته وتحت إشرافه من أجل عظيم محبة الله تعالى له. ولكن المسألة هي أن يبرهن المسلمون الذين بايعوا الله ورسوله على صدقهم في هذه المبايعة، وأن يصدقوا فيما عاهدوا الله عليه يوم أن وقعوا بالقبول والرضا تحت قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}

للمزيد اقرأ: فقه السيرة النبوية

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد