الأعذار المبيحة للفطر

14

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

رَفْعُ الحرج وعدم إلحاق الضرر والمشقة بالمُكَلَّف من المقاصد الأساسية التي راعتها الشريعة الإسلامية، وتضافرت عليها أدلة الكتاب والسنة، وفي ذلك يقول تعالى: (يريد الله بكم اليسر) (البقرة:185)، ويقول سبحانه: (يريد الله أن يخفف عنكم) (النساء:28)، ويقول عز وجل: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج:78)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته) رواه أحمد، وفي رواية: (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه) رواه البيهقي وغيره.

وقد قرر أهل العلم استناداً إلى هذه النصوص عدداً من القواعد الفقهية، التي تفيد رفع الحرج وإزالة الضرر والمشقة عن المكلف؛ من ذلك قولهم: “المشقة تجلب التيسير”، وقولهم: “الضرر مدفوع شرعاً”، وقولهم: “الأمر إذا ضاق اتسع”، ونحو ذلك مما أصَّله الفقهاء في قواعدهم الفقهية.

وصيام رمضان وإنْ كان فرضاً على كل مُكَلَّف عاقل بالغ، إلا أن هناك بعض العوارض والأعذار المبيحة للفطر التي قد تطرأ على المكلف، فتصرف عنه حكم الوجوب، ويباح له الفطر حينئذ، وربما وجب في حقه كما في حالات معينة، وهذه العوارض هي ما يُعرف بـ “رُخَص الفطر” أو “الأعذار المبيحة للفطر”

الأعذار المبيحة للفطر:

فيباح الفطر لأعذار أهمها سبع أو تسع هي ما يأت، وقد نظم بعضهم الأعذار المبيحة للفطر بقوله:

“وعوارض الصوم التي قد يغتفر للمرء فيها الفطر تسع تستطر

حبل وإرضاع وإكراه سفر مرض جهاد جَوْعة عطش كبر”

المطلب الأول: السفر

1 – السفر: من الأعذار المبيحة للفطر في الصيام السفر، لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة:185/] والسفر في عرف اللغة: عبارة عن خروج يُتكلف فيه مؤنة، ويفصل فيه بُعْد في المسافة، ولم يرد فيه من الشارع نص، لكن ورد فيه تنبيه، وهو قوله عليه السلام في الصحيح: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر مسيرة يوم وليلة إلا معها ذو مَحْرم منها”

الفرع الأول: شروط السفر المبيح للفطر؟

أولاً: السفر الطويل الذي يبيح قصر الصلاة بمسافة 89 كم

ثانياً: إنشاء السفر قبل طلوع الفجر

ثالثاً: ألا يكون مديماً للسفر كسائقي السيارات وهو شرط عند الشافعية

رابعاً: أن يكون السفر مباحاً: وهو شرط عند الجمهور غير الحنفية

خامساً: ألا ينوي إقامة أربعة أيام في خلال سفره وهو شرط عند الجمهور غير الحنفية

سادساً: أن يبيت الفطر قبل الفجر عند المالكية

الفرع الثاني: لو أصبح المسافر صائماً، ثم بدا له أن يفطر هل يجوز؟

لو أصبح المسافر صائماً، ثم بدا له أن يفطر، جاز له ذلك ولا إثم عليه عند الشافعية والحنابلة، عملاً بحديث صحيح متفق عليه عن ابن عباس، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم أفطر في أثناء فتح مكة

ويحرم الفطر ويأثم عند الحنفية والمالكية، وعليه القضاء فقط عند الجمهور، والقضاء والكفارة عند المالكية، لأنه أفطر في صوم رمضان، فلزمه ذلك، كما لو كان مقيماً أو حاضراً.

الفرع الثالث: هل الصوم أفضل أم الفطر للمسار إن لم يجد مشقة؟

الصوم عند الحنفية والمالكية والشافعية أفضل للمسافر إن لم يتضرر، أو لم تكن عند الحنفية عامة رفقته مفطرين، ولا مشتركين في النفقة، فإن كانوا مشتركين في النفقة أو مفطرين، فالأفضل فطره موافقة للجماعة، ويجب الفطر ويحرم الصوم في حال الضرر. ودليلهم عموم قوله تعالى دون تقييده بحال الكبير الذي لا يطيق الصوم: {وأن تصوموا خير لكم} [البقرة:184/ 2] والتضرر: هو الخوف من التلف أو تلف عضو منه أو تعطيل منفعة.

وقال الحنابلة: يسن الفطر ويكره الصوم في حالة سفر القصر، ولو بلا مشقة؛ ولقوله صلّى الله عليه وسلم في الصحيحين: «ليس من البر الصوم في السفر».

والرأي الأول هو المعقول عملاً بظاهر الآية: {وأن تصوموا خير لكم} [البقرة:184/ 2]

المطلب الثاني: المرض

– المرض:  من الأعذار المبيحة للفطر المرض وهو معنى يوجب تغير الطبيعة إلى الفساد، وهو يجيز الفطر كالسفر، للآية السابقة: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر، فعدة من أيام أخر} [البقرة:185/ 2]

الفرع الأول: ضابط المرض المبيح للفطر

وضابط المرض المبيح الفطر: هو الذي يشق معه الصوم مشقة شديدة أو يخاف الهلاك منه إن صام، أو يخاف بالصوم زيادة المرض أو بطء البرء أي تأخره

فإن لم يتضرر الصائم بالصوم كمن به جرب أو وجع ضرس أو إصبع أو دمل ونحوه، لم يبح له الفطر.

والصحيح الذي يخاف المرض أو الضعف بغلبة الظن بأمارة أو تجربة أو بإخبار طبيب حاذق مسلم مستور العدالة، كالمريض عند الحنفية. والصحيح الذي يظن الهلاك أو الأذى الشديد كالمريض عند المالكية، وليس الصحيح كالمريض عند الشافعية والحنابلة.

وإن غلب على الظن الهلاك بسبب الصوم، أو الضرر الشديد كتعطيل حاسة من الحواس، وجب الفطر.

وأضاف الحنفية أن المحارب الذي يخاف الضعف عن القتال، وليس مسافراً، له الفطر قبل الحرب، ومن له نوبة حمى أو عادة حيض، لا بأس بفطره على ظن وجوده.

فالجهاد ولو بدون سفر سبب من أسباب إباحة الفطر، للتقوي على لقاء العدو، وعملاً بالثابت في السنة عام فتح مكة.

الفرع الثاني: هل المرض مبيح للفطر عند الفقهاء

ـ وللفقهاء آراء في فطر المريض: فقال الحنفية والشافعية: المرض يبيح الفطر، وقال الحنابلة: يسن الفطر حالة المرض ويكره الصوم، لآية {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر، فعدة من أيام أخر} [البقرة:185/ 2]، أي فليصم عدد ما أفطره.

وقال المالكية: للمريض أحوال أربعة:

الأولى: ألا يقدر على الصوم بحال، أو يخاف الهلاك من المرض أو الضعف إن صام، فالفطر عليه واجب.

الثانية: أن يقدر على الصوم بمشقة فالفطر له جائز، فهم كالحنفية والشافعية

الثالثة: أن يقدر بمشقة ويخاف زيادة المرض، ففي وجوب فطره قولان.

الرابعة: ألا يشق عليه ولا يخاف زيادة المرض، فلا يفطر عند الجمهور، خلافاً لابن سيرين.

الفرع الثالث: إذا أصبح المريض أو المسافر ثم زال عذره

ـ إذا أصبح المريض أو المسافر على نية الصيام، ثم زال عذره، لم يجز له الفطر، وإن أصبح على نية الفطر ثم زال عذره، جاز له الأكل بقية يومه، وكذلك من أصبح مفطراً لعذر مبيح، ثم زال عذره في بقية يومه، عند الجمهور خلافاً لأبي حنيفة.

الفرع الرابع: هل على المريض أو المسافر كفارة إذا لم يقض رمضان الفائت

على المريض والمسافر في رأي الشافعية الكفارة مع القضاء إذا جاء رمضان آخر، ولم يقض، والكفارة: هي إطعام مد من غالب قوت البلد عن كل يوم.

وتتكرر الكفارة بتكرر السنين. لكن إن استمر العذر حتى دخل رمضان آخر، فلا شيء عليه سوى القضاء.

وإن مات قبل التمكن من القضاء، فلا شيء عليه. وإن مات بعد التمكن من القضاء، صام عنه وليه ندباً، فإن لم يصم عنه وليه، أطعم من تركته عن كل يوم مداً من طعام غالب قوت البلد؛ لما روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «من مات وعليه صيام شهر، فليُطعَم عنه مكان كل يوم مسكيناً» وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: “من مات وعليه صيام، صام عنه وليه”

المطلب الثالث: الحمل والرضاع

من الأعذار المبيحة للفطر الحمل والارضاع حيث يباح للحامل والمرضع الإفطار إذا خافتا على أنفسهما أو على الولد، سواء أكان الولد ولد المرضعة أم لا، أي نسباً أو رضاعاً، وسواء أكانت أماً أم مستأجرة، وكان الخوف نقصان العقل أو الهلاك أو المرض، والخوف المعتبر: ما كان مستنداً لغلبة الظن بتجربة سابقة، أو إخبار طبيب مسلم حاذق عدل.

ودليل الجواز لهما: القياس على المريض والمسافر، وقوله صلّى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم»، ويحرم الصوم إن خافت الحامل أو المرضع على نفسها أو ولدها الهلاك.

وإذا أفطرتا وجب القضاء دون الفدية عند الحنفية، ومع الفدية إن خافتا على ولدهما فقط عند الشافعية والحنابلة، ومع الفدية على المرضع فقط لا الحامل عند المالكية

المطلب الرابع: الهرم

من الأعذار المبيحة للفطر الهرم حيث يجوز إجماعاً الفطر للشيخ الفاني والعجوز الفانية العاجزين عن الصوم في جميع فصول السنة، ولا قضاء عليهما، لعدم القدرة، وعليهما عن كل يوم فدية طعام مسكين، وتستحب الفدية فقط عند المالكية، لقوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة:184/ 2]

قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً اقرأ أيضاً: مكروهات الصيام 

ومثلهما: المريض الذي لا يرجى برؤه، لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78/ 22]. أما من عجز عن الصوم في رمضان ولكن يقدر على قضائه في وقت آخر، فيجب عليه القضاء ولا فدية عليه.

المطلب الخامس: إرهاق الجوع والعطش

من الأعذار المبيحة للفطر من خاف على نفسه الهلاك من جوع أو عطش حيث يجوز الفطر لمن حصل له أو أرهقه جوع أو عطش شديد يخاف منه الهلاك أو نقصان العقل أو ذهاب بعض الحواس، بحيث لم يقدر معه على الصوم، وعليه القضاء. فإن خاف على نفسه الهلاك، حرم عليه الصيام، لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة:195/ 2]

وإذا أفطر المرهق بالجوع أو العطش، فاختلف: هل يمسك بقية يومه، أو يجوز له الأكل.

المطلب السادس: الاكراه

من الاعذار المبيحة للفطر الاكراه حيث يباح الفطر للمستكره، وعليه عند الجمهور القضاء، وعند الشافعية لا يفطر المستكره. وإذا وطئت المرأة مكرهة أو نائمة، فعليها القضاء.

هذه أهم الأعذار المبيحة للفطر، أما الحيض والنفاس والجنون الطارئ على الصائم فيبيح الفطر، بل ولا يوجب الصوم ولا يصح معه

مسائل:

المسألة الأولى: حكم إفطار صاحب العمل الشاق

من صنعته شاقة، فإن خاف بالصوم تلفاً، أفطر وقضى إن ضره ترك الصنعة لأنه يعتبر من الأعذار المبيحة للفطر، فإن لم يضره تركها، أثم بالفطر، وإن لم ينتف التضرر بتركها، فلا إثم عليه بالفطر للعذر.

وقرر جمهور الفقهاء أنه يجب على صاحب العمل الشاق كالحصاد والخباز والحداد وعمال المناجم أن يتسحر وينوي الصوم، فإن حصل له عطش شديد أو جوع شديد يخاف منه الضرر، جاز له الفطر، وعليه القضاء، فإن تحقق الضرر وجب الفطر، لقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} [النساء:29/ 4]

المسألة الثانية: هل يجوز الفطر لمن صام متطوعاً بلا عذر

لا يجوز الفطر بلا عذر للمتطوع بالصوم عند الحنفية القائلين بلزوم النفل في الشروع بالعبادة في الرواية الصحيحة، والضيافة عذر في الأظهر للضيف والمضيف قبل الزوال لا بعده، إلا أن يكون في عدم الفطر بعد الزوال عقوق لأحد الأبوين، لا غيرهما، لتأكد الصوم.

وإذا أفطر المتطوع على أي حال، وجب عليه عند الحنفية القضاء، إلا إذا شرع متطوعاً في خمسة أيام: يومي العيد، وأيام التشريق، فلا يلزمه قضاؤها بإفسادها

المسألة الثالثة: هل يجب الامساك على الحائض  بقية اليوم إذا طهرت

قال الحنفية: يجب الإمساك بقية اليوم على من فسد صومه ولو بعذر ثم زال، وعلى حائض ونفساء طهرتا بعد طلوع الفجر، وعلى مسافر أقام، ومريض برئ، ومجنون أفاق، وعلى صبي بلغ وكافر أسلم، لحرمة الوقت بالقدر الممكن، وعليهم القضاء إلا الأخيرين (الصبي والكافر) لعدم توافر الخطاب التكليفي لهما عند طلوع الفجر عليهما.اقرأ أيضاً: مبطلات الصيام 

وقال المالكية: إمساك بقية اليوم يؤمر به من أفطر في رمضان خاصة أو في نذر واجب عمداً أو إكراهاً أو نسياناً، لا من أفطر لعذر مبيح، فمن أفطر لأجل عذر يباح له الفطر، ثم زال عذره، لا يستحب له الإمساك، كأن زال الحيض أو النفاس في أثناء نهار رمضان، أو انقضى السفر، أو زال الصبا وبلغ في أثناء نهار رمضان، أو زال الجنون أو الإغماء، أو قوي المريض المفطر، أو زال اضطرار المضطر للأكل أو الشرب، فلا يستحب لهم الإمساك، ويجوز لهم التمادي في تعاطي الفطر.

ويرى الشافعية: أنه يلزم الإمساك من تعدى بالفطر كأن أكل، عقوبة له ومعارضة لتقصيره، أو من نسي النية من الليل؛ لأن نسيانه يشعر بترك الاهتمام بأمر العبادة، فهو نوع من التقصير، وفي يوم الشك إن تبين كونه من رمضان، لما في فطره من نوع تقصير لعدم الاجتهاد في الرؤية، ويجب قضاؤه على الفور على المعتمد.

ولا يلزم الإمساك بقية النهار في الأصح إذا بلغ الصبي مفطراً، أو أفاق المجنون، أو أسلم الكافر، في أثناء النهار، لعدم التمكن من زمن يسع الأداء، لكن يندب القضاء لمن أفاق أو أسلم في أثناء النهار، خروجاً من الخلاف.

كما لا يلزم الإمساك مسافراً أو مريضاً زال عذرهما بعد الفطر، كأن أكلا؛ لأن زوال العذر بعد الترخص لا يؤثر، كما لو قصر المسافر، ثم أقام، والوقت باق، لكن يستحب لهم الإمساك لحرمة الوقت، ويستحب أيضاً للحائض أو النفساء إذا طهرت.

وإنما لم يجب الإمساك؛ لأن الفطر مباح لهم مع العلم بحال اليوم، وزوال العذر بعد الترخص لا يؤثر.

ويرى الحنابلة: أنه يلزم الإمساك من أفطر بغير عذر، أو أفطر يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع، أو يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب، أو الناسي لنية الصوم ونحوهم، بلا خلاف بين العلماء.

ويلزم الإمساك أيضاً على الراجح كل من زال عذره في أثناء النهار، وعليه القضاء، كالصبي والمجنون والكافر، والمريض والمسافر، والحائض والنفساء، إذا زالت أعذارهم في النهار، فبلغ الصبي، وأفاق المجنون، وأسلم الكافر، وصح المريض المفطر، وأقام المسافر، وطهرت الحائض والنفساء. ولهم ثواب إمساك، لا ثواب صيام.

للمزيد اقرأ: موقع اسلام ويب

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد