أنواع المياه عند الفقهاء

34

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أنواع المياه ثلاثة: طهور، وطاهر غير مطهر، ومتنجس:

النوع الأول: الماء الطهور أو المطلق

هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وهو كل ماء نزل من السماء، أو نبع من الأرض، ما دام باقياً على أصل الخِلْقة، فلم يتغير أحد أوصافه الثلاثة وهي (اللون والطعم والرائحة) أو تغير بشيء لم يسلب طهوريته كتراب طاهر أو ملح أو نبات مائي ولم يكن مستعملاً،

مثل ماء المطر والأودية والعيون والينابيع والآبار والأنهار والبحار، وماء الثلج والبرد، ونحوها من كل ماء عذب أو مِلْح، ويشمل الماء الذي ينعقد على صورة حيوان، أو ينعقد ملحاً، أو يرشح ويتبخر بخار ماء؛ لأنه ماء حقيقة.

إلا أن الحنفية قالوا: الماء الذي ينعقد فيه الملح طهور قبل الانعقاد، أما بعد الانعقاد والذوبان، فإنه يكون طاهراً غير طهور فلا يرفع الحدث، ويزيل الخبث.

حكم الماء المطلق:

هذا الماء المطلق طاهر مطهر إجماعاً، يزال به النجس، ويستخدم للوضوء والغسل، لقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} [الفرقان:48/ 25]، {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال:11/ 8]،

ولقوله صلّى الله عليه وسلم عن ماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»، وقوله عليه السلام: «إن الماء طهور، لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه»

وبحث الماء الطهور يستتبع معرفة الأمرين التاليين:

أـ التغير غير المؤثر في الطهورية:

اتفق الفقهاء على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالباً: أنه لا يسلبه صفة الطهارة والتطهير، فلا يضر تغير أوصاف الماء كلها أو بعضها بطول المكث (البقاء في المكان مدة طويلة) لتعذر الاحتراز عنه، ولا بتراب طهور، وطُحلُب (خضرة تعلو على وجه الماء)،

وما في مقره وممره، ولا بمخالط مجاور (وهو ما يمكن فصله) كعود ودُهن ولو مطيبين ومنه البَخور ولا بجيفة ملقاة على الشاطئ تغير الماء بريحها، ولا بدابغ إنائه كقطران وقَرَظ، ولا ببعض المعادن كملح ماء وكبريت، ولا بما يعسر الاحتراز عنه كالتبن وورق الشجر.

حكم الماء المتغير غير المؤثر في الطهورية:

قال الحنفية: تجوز الطهارة بماء خالطه شيء جامد طاهر، ما لم يكن التغير عن طبخ، فغير أحد أوصافه أو أوصافه كلها، كماء السيل الذي يختلط بالتراب والأوراق والأشجار، وبقيت رقته غالبة، فإن صار الطين غالباً لا تجوز الطهارة به.

وكالماء الذي اختلط به اللبَن أو الزعفران أو الصابون أو الأشنان ما دام باقياً على رقته وسيلانه، لأن اسم الماء باق فيه، ولا يمكن الاحتراز عن هذه الأشياء المخالطة له، فلو خرج الماء عن طبعه أو حدث له اسم جديد، كأن صار ماء الصابون ثخيناً، أو صار ماء الزعفران صِبْغاً، لا تجوز به الطهارة.

وقال المالكية: لا يضر ما تغير بطول مُكْثه، أو بما يجري عليه، أو بما متولد منه كالطحلب والدود والسمك الحي، أو بما لا ينفك عنه غالباً، أو بالمجاورة، ولا يؤثر تغيره بالتراب المطروح، على المشهور، وبما طرح فيه من الملح ونحوه من أجزاء الأرض كالنحاس والكبريت والحديد، ولو قصداً،

ولا بدابغ طاهر كقَطِران، أو بما يعسر الاحتراز منه كتبن أو ورق شجر يتساقط في الآبار والبِرك من الريح، فإذا دبغت الجلود المعدة لحمل الماء كالقِرب والدلاء التي يستقى بها، يجوز الانتفاع بمائها، وإن تغير بأثر الدابغ الطاهر كالقَرَظ والقطران والشب

ولا يضر التغير بالمجاور؛ لأن الماء يتكيف بكيفية المجاور، ومن المجاور: جيفة مطروحة خارج الماء، فتغير ريح الماء منها.

ولا يضر التغير الخفيف بآلة سقي من حَبْل أو وعاء، أو بأثر بخور دهن به الإناء من غير دبغ به، أو رمي في الماء، فرسب في قراره، فتغير الماء به، لأن العرب كانت تستعمل القطران كثيراً عند الاستقاء وغيره، فصار كالتغير بالمقَرّ.

كما لا يضر التغير بالشك في جنس المغير، هل هو من جنس ما يضر كالعسل والدم، أو من جنس ما لا يضر كالكبريت وطول المكث، ويجوز التطهر به. وكذا لايضر المشكوك في تغيره بالريق، كما إذا جعل الماء في الفم، وحصل شك فيه، هل تغير بالريق أو لا، فإنه يجوز التطهير به.

ويضر التغير لأحد أوصاف الماء بالشيء المفارق غالباً: وهو ما شأنه مفارقة الماء غالباً وكان طاهراً، كلبن وسمن وعسل وحشيش، فإذا امتزج به، أو لاصقه، كالرياحين المطروحة على سطح الماء، والدهن الملاصق له، وتغير أحد أوصاف الماء لوناً أو طعماً أو ريحاً، لم يجز التطهر به، ويصبح الماء طاهراً بنفسه، غير مطهر لغيره.

والخلاصة: إن خالط الماء شيء طاهر، ولم يغير لونه أو طعمه أو ريحه، فهو ماء مطلق طهور، وإن غير أحد هذه الأوصاف الثلاثة فهو طاهر عند المالكية والشافعية والحنابلة، غير مطهر، وعند الحنفية: طاهر مطهر، ما لم يطبخ أو يغلب على أجزائه.

والمالكية يلحقون بالتراب: كل أجزاء الأرض كالكبريت والحديد والنحاس فإنها لا تسلب طهورية الماء، إذا غيرت أحد أوصافه، ولو طرحت فيه قصداً.

وقال الشافعية: لا يضر تغير يسير بطاهر لا يمنع إطلاق اسم الماء عليه، ولو كان مشكوكاً في أن تغيره كثير أو يسير، لتعذر صون الماء عنه. ولا يضر متغير بمُكْث وإن فحش التغير، وطين وطُحْلُب (شيء أخضر يعلو الماء من طول المكث)؛

وما في مقره وممره، ككبريت وزرنيخ ونُورة (كلس)، لتعذر صون الماء عن ذلك؛ ولا يضر تغير بملح ماء، لا بملح جبلي، فيضر التغير به ما لم يكن بمقر الماء أو ممره؛ ولا تمنع الطهارة بملح انعقد من الماء، لأنه كان ماء في الأصل، فهو كالثلج إذا ذاب فيه.

ولا يضر تغير بورق شجر تناثر وتفتت واختلط بالماء، لتعذر صون الماء عنه؛ ولا يضر متغير بمجاور طاهر كعود ودهن، ولو مطيبين، وكافور صلب، أو بتراب ولو مستعملاً طرح فيه في الأظهر، لأن تغيره بغير التراب تروّح، وبالتراب كدورة لا تمنع اسم الماء عليه.

ومذهب الحنابلة  كالشافعية في عدم تأثر الماء بالمغير بطول مكث (وهو الماء الآجن الذي تغير بطول إقامته في مقره)،  أو بالمقر والممر، أو بالمجاور، أو بريح ميتة إلى جانبه؛ لأن ذلك يشق الاحتراز عنه أو بملح مائي: وهو الماء الذي يرسل على الأرض السباخ، فيصير ملحاً؛ لأن المتغير به منعقد من الماء، فأشبه ذوب الثلج.

أنواع الماء المتغير الذي لا يضر التوضؤ به

1 – ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر والبئر وأشباههما.

2 – ما لا يمكن التحرز عنه كالطحلب والخزّ (الشوك الأخضر) وسائر ما ينبت في الماء، وكذا ورق الشجر الذي يسقط في الماء أو تحمله الريح فتلقيه فيه، وما تجذبه السيول من العيدان والتبن ونحوه، فتلقيه في الماء، وما هو في قرار الماء، كالكبريت والزفت وغيرهما إذا جرى عليه الماء فتغير به، أو كان في الأرض التي يقف الماء فيها.

3 – ما يوافق الماء في صفتيه: الطهارة والطهورية، كالتراب إذا غيَّر الماء، لا يمنع الطهورية؛ لأنه طاهر مطهر كالماء، فإن ثخن بحيث لا يجري على الأعضاء، لم تجز الطهارة به، لأنه طين وليس بماء، ولا فرق في التراب بين وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد، وكذلك الملح البحري أو المائي، والمعدني، لأن هذا الأخير خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء، فهو كالزعفران وغيره.

4 – ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة، كالدهن بأنواعه، ومثله القطران والزفت والشمع، والطاهرات الصلبة، كالعود والكافور والعنبر، إذا لم يتلف في الماء، ولم يمع فيه، أنه تغيير مجاورة، فأشبه ما لو تروح الماء بريح شيء في جانبه، ولا خلاف في هذا.

حكم الوضوء بما خالطه شيء طاهر:

لا خلاف بين العلماء في جواز التوضؤ بما خالطه طاهر لم يغيره، فإذا سقط شيء من الباقلا والحمص والورد والزعفران وغيره في ماء، وكان يسيراً، فلم يوجد له طعم ولا لون ولا رائحة كثيرة، جاز الوضوء به، لأنه “صلّى الله عليه وسلم اغتسل وزوجته من جفنة فيها أثر العجين”

ب ـ الماء الطهور المكروه الاستعمال تنزيهاً عند الحنفية:

هناك ماء طاهر مطهر مكروه استعماله تنزيهاً حال وجود غيره على الأصح

عند الحنفية: وهو الماء القليل الذي شرب منه حيوان مثل الهرة الأهلية، لا الوحشية إذ سؤرها نجس، ومثل الدجاجة المخلاة (المتروكة تأكل القاذورات) وسباع الطير، والحية والفأرة؛ لأنها لا تتحامى عن النجاسة.

وهذا عمل بمقتضى الاستحسان، تيسيراً على الناس بسبب مخالطة الناس للهرة، وتطوافها بهم، وللضرورة في سباع الطير لعدم إمكان التحرز عنها، وقد قرر النبي صلّى الله عليه وسلم طهارة سؤر الهرة، فقال: «إنها ليست بنجَس، إنها من الطوافين عليكم، والطوافات»، وعن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلم «أنه كان يُصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب، ثم يتوضأ بفضلها»

وتزول الكراهة إذا لم يوجد غير هذا الماء. وقال الشافعية بطهارة فم الهرة وطهارة سؤرها.

النوع الثاني: الماء الطاهر غير الطهور

وحكمه عند الحنفية أنه يزيل الخبث، أي النجاسة عن الثوب والبدن، ولا يزيل الحدث، فلا يصح الوضوء والغسل به، وهو ثلاثة أنواع:

أحدها ـ الماء الذي خالطه طاهر غير أحد أوصافه الثلاثة وسلب طهوريته: وسالب الطهورية عند الحنفية هو غلبة غير الماء عليه إما في مخالطة الجامدات وإما في المائعات، والغلبة في الجامدات تكون بإخراج الماء عن رقته وسيلانه،

أوالتي تزيل طبع الماء (وهو الرقة والسيلان والإرواء والإنبات) بالطبخ بنحو حِمّص وعدس، ولم يقصد به التنظيف كالصابون والأشنان؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم اغتسل بماء فيه أثر العجين، وكان يغتسل وهو جنب ويغسل رأسه بالخِطْمي (ورق يدق ويغسل به الرأس)،

وأمر النبي بغسل الذي وقَصَتْه (كسرته) ناقته، وهو مُحْرِم بماء وسِدْر (شجر النبق)، وأمر قيس بن عاصم حين أسلم أن يغتسل بماء وسدر

والغلبة في المائع الذي لا وصف له كالماء المستعمل، وماء الورد المنقطع الرائحة: تكون إما بزيادة الوزن كأن اختلط رطلان من الماء المستعمل برطل من الماء المطلق أو بظهور وصفين من مائع له أوصاف ثلاثة، كالخل له لون وطعم وريح،

فأي وصفين ظهرا منعا صحة الوضوء، ولا يضر ظهور وصف واحد لقلته، أو بظهور وصف واحد من مائع له وصفان فقط، كاللبن له اللون والطعم، ولا رائحة له.

والماء المشكوك في طهوريته عند الحنفية: وهو ما شرب منه حمار أو بغل، وهو عند الحنفية طاهر في نفسه، مشكوك في إمكان إزالة الحدث به، فمن لم يجد غيره توضأ به وتيمم، بسبب تعارض الأدلة في إباحته وحرمته أو اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في نجاسته وطهارته

وقال المالكية: إن سالب الطهورية الذي يترتب عليه أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث: هو كل طاهر يخالط الماء مما يفارقه غالباً، ويغير أحد أوصافه (لونه أو طعمه أو ريحه)، ولم يكن من أجزاء الأرض، ولا دابغاً لإنائه، ولا ما يعسر الاحتراز عنه.اقرأ أيضاً: أحكام الطهارة

مثال ذلك الطاهر المفارق للماء غالباً الصابون وماء الورد والزعفران واللبن والعسل والزبيب المنبوذ في الماء، والليمون وروث الماشية ودخان شيء محروق، والحشيش، أو ورق الشجر أو التبن الواقع في بئر يسهل تغطيتها، والقطران الراسب في الماء لغير دباغ للوعاء والطحلب المطبوخ في الماء، والسمك الميت.

فهذه الأمثلة إن غيرت أحد أوصاف الماء، جعلته طاهراً غير طهور. ومثلها المتغير الفاحش بآلة السقي، أو بإنائه، إذا كانا من غير أجزاء الأرض كإناء من جلد أو خشب، وحبل من كَتَّان أو ليف. فإن كان التغير يسيراً، أو استعمال القطران للدباغ، فلا يسلب الطهورية، ولا يضر.

وقال الشافعية: الذي يسلب طهورية الماء، فيجعله غير صالح لرفع الحدث ولا لإزالة النجس به: هو كل مخالط طاهر يستغني الماء عنه، إذا غير أحد أوصافه (لونه أو طعمه أو ريحه) تغيراً كثيراً يمنع إطلاق اسم الماء عليه، ولم يكن المغير تراباً ولا ملحاً مائياً ولو طرحا قصداً.

وذلك مثل الزعفران وماء الشجر والمني والملح الجبلي والتمر والدقيق والطحلب المطروح في الماء، والمنقوع في الماء من كتان أو عرق سوس، والقطران لغير دباغ، والماء المخلوط بنحو سدر أو صابون، فلا يصح الوضوء به كماء اللحم وماء الباقلا.

وسواء أكان التغير حسياً أم تقريرياً، فلو وقع في الماء مائع يوافقه في الصفات، كماء الورد المنقطع الرائحة، فلم يتغير، فلو قدرنا أن ماء الورد الواقع حل محله مخالف وسط، كلون العصير، وطعم الرمان، وريح اللاَّذَن، ثم غيَّره، لم يصر طهوراً.

وقال الحنابلة: يسلب طهورية الماء أنواع منها: المستخرج بالعلاج، كماء ورد وزهر وبطيخ، إذا غلبت أجزاؤه على الماء؛ والطاهر الذي يغير اسم الماء حتى صار صبغاً أو خلاً؛ والطاهر الذي يغير أحد أوصاف الماء تغيراً كثيراً، بأن طبخ فيه كماء الباقلا والحمص، أو لم يطبخ كالزعفران والملح المعدني، أو طرحه فيه آدم عاقل قصداً كطحلب أو ورق شجر ونحوه، ففي كل ذلك لا يعد ماء مطلقاً، فلا يتوضأ به.

ما حكم الماء المشتبه فيه؟

الماء المشتبه فيه: إذا اشتبه الطاهر من الماء أو الثياب بالنجس، تحرى الشخص واجتهد، كالاجتهاد في القبلة، وصلى بثوب منها، وتوضأ بأحد الماءين بما غلب على ظنه طهارته بعلامة واستعمله؛ لأن التطهر شرط من شروط الصلاة، وحل التناول والاستعمال والتوصل إلى ذلك ممكن بالاجتهاد، فوجب عند الاشتباه إن تعين طريقاً. وإذا أخبره بتنجسه ثقة أو كان فقيهاً اعتمده.

الثاني: الماء المستعمل القليل

والقليل: هو ما نقص عن القُلَّتين بأكثر من رطلين. والقلتان: خمس مئة رطل بغدادي تقريباً (500) وبالمصري (446و7/ 3) رطلاً (2) وبالشامي (81) رطلاً، والرطل الشامي: (2و2/ 1) كغ فيكون قدرهما (112،195كغ) وتساوي (10) تنكات (صفايح) وقيل: (15) تنكة أو (270) لتراً،

وقدرهما بالمساحة في مكان مربع: ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً بالذراع المتوسط. وفي المكان المدور كالبئر: ذراعان عمقاً، وذراع عرضاً. وقال الحنابلة: ذراعان ونصف عمقاً، وذراع طولاً

ما هو حكم الماء المستعمل عند الحنفية؟

والمستعمل عند الحنفية: هو الماء الذي استعمل لرفع حدث (وضوء أو غسل) أو لقربة (ثواب) كالوضوء ـ في مجلس آخر ـ على الوضوء بنية التقرب أو لصلاة الجنازة ودخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن.

ويصير الماء مستعملاً بمجرد انفصاله عن الجسد، والمستعمل: هو الذي اتصل بالأعضاء، لا كل الماء.

وحكمه عندهم أنه طاهر بنفسه غير مطهر لغيره من الحدث ويطهر الخبث أي أنه لا يزيل الحدث من وضوء وغسل، ويزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن على الراجح المعتمد.

الماء المستعمل عند المالكية:

والمستعمل عند المالكية: هو الماء الذي استعمل في رفع حدث (وضوء أو غسل) أو في إزالة خَبَث (عين النجاسة)، سواء أكان الغسل واجباً كغسل الميت، أم غير واجب كالوضوء على الوضوء وغسل الجمعة والعيدين، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، إذا لم يغيره الاستعمال.

والمستعمل في رفع الحدث: هو ما تقاطر من الأعضاء، أو اتصل بها، أو انفصل عنها وكان المنفصل يسيراً، أو غسلت فيه، فإن اغترف منه وغسلت الأعضاء خارجه فليس بمستعمل.

والماء المستعمل: طاهر مطهر، ولا يكره على الأرجح استعماله مرة أخرى في إزالة النجاسة، أو في غسل إناء ونحوه، لكن يكره استعماله في رفع حدث أو اغتسالات مندوبة مع وجود غيره، إذا كان يسيراً. وعلة الكراهة: أن النفوس تعافه.

الماء المستعمل عند الشافعية:

هو الماء القليل المستعمل في فرض الطهارة عن حدث كالغسلة الأولى فيه، والأصح أن نفل الطهارة كالغسلة الثانية والثالثة طهور في المذهب الجديد. والمراد بفرضية الطهارة ولو صورة كوضوء الصبي، إذ لابد لصحة صلاته من وضوء.

ومن المستعمل: ماء قليل اغترف منه بدون نية الاغتراف عند إرادة غسل اليدين بأن يقصد نقل الماء من إنائه لغسلهما خارجه، فإن نوى الاغتراف بهما فهو طهور.

ومن المستعمل: ماء غسل بدل مسح من رأس أو خف، وماء غسل كافرة لتحل لحليلها المسلم، وماء غسل ميت، وماء غسل مجنونة لتحل لحليلها المسلم، ولا يصبح مستعملاً إلا إذا انفصل عن العضو.

شروط المستعمل الطاهر في إزالة النجاسة (وهو الغسالة)

1 – أن يكون الماء وارداً على محل النجاسة إن كان قليلاً في الأصح لا كثيراً، لئلا يتنجس الماء، لو عكس الأمر، لأن الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه.

2 – أن ينفصل طاهراً بحيث لم يتغير أحد أوصافه، وقد طهر المحل.

3 – ألا يزيد وزنه بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء ويعطيه من الوسخ الظاهر. فإذا تغير الماء أو زاد وزنه، أو لم يطهر المحل بأن بقي لون النجس وريحه معاً، أو طعمه وحده، ولم يعسر زواله، صار نجساً؛ لدلالة ذلك على بقاء عين النجاسة.

حكم الماء المستعمل عند الشافعية:

وحكم المستعمل: أنه طاهر غير طهور في المذهب الجديد، فلا يتوضأ أو يغتسل به، ولا تزال النجاسة به؛ لأن السلف الصالح كانوا لا يحترزون عن ذلك،

ولا عما يتقاطر عليهم منه، وفي الصحيحين «أنه صلّى الله عليه وسلم عاد جابراً في مرض موته، فتوضأ وصب عليه من وضوئه» وكانوا مع قلة مياههم لم يجمعوا المستعمل للاستعمال ثانياً، بل انتقلوا إلى التيمم، ولم يجمعوه للشرب، لأنه مستقذر.

ويعفى عن يسير الماء المستعمل الواقع في الماء. فإن جمع الماء المستعمل فبلغ قلتين، فطهور في الأصح.

الماء المستعمل عند الحنابلة:

هو المستعمل في رفع حدث أكبر (جنابة) أو أصغر (وضوء)، أو إزالة نجاسة من آخر غسلة زالت بها النجاسة وهي الغسلة السابعة كما هو المذهب، ولم يتغير أحد أوصاف الماء (لونه أو طعمه أو ريحه)

ومن المستعمل: ما غسل به الميت؛ لأنه غسل تعبدي، لا عن حدث، ويصبح الماء مستعملاً: لو نوى الجنب أو المتوضئ رفع الحدث في ماء قليل، فإن لم ينو رفع الحدث أو نوى الاغتراف أو نوى إزالة الغبار أو التبرد أو العبث ظل الماء طهوراً.اقرأ أيضاً: أنواع المطهرات

ومنه: الماء اليسير الذي غمس أو غسل به يد القائم من نوم الليل، وكان الشخص مسلماً عاقلاً بالغاً، وكان الغمس قبل غسل اليد ثلاثاً. ومنه الماء الذي يغمس فيه المسلم البالغ العاقل (غير الصبي والمجنون والكافر) يده كلها إلى الكوع، أي الزند. فلو غمس غير يده كالوجه والرجل لم يكن مستعملاً، ولا يصير الماء مستعملاً إلا بعد انفصاله عن محل الاستعمال.

ويعفى عن يسير الماء المستعمل الواقع في الماء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتوضؤُون من الأقداح، ويغتسلون من الجفان، واغتسل النبي صلى الله عليه وسلم  وعائشة من إناء واحد، تختلف أيديهما فيه، كل واحد منهما يقول لصاحبه: أبق لي،

ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء. فإن كثر الواقع وتفاحش لم تجز الطهارة به على الرواية الراجحة، وهو مذهب الشافعية أيضاً كما بينت،

والمستعمل في طهارة مستحبة كتجديد الوضوء، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، وغسل الجمعة والعيدين وغيرهما فيه روايتان: إحداهما: أنه كالمستعمل في رفع الحدث؛ لأنه طهارة مشروعة.

والثانية وهي الراجحة: أنه طهور فلا يمنع الطهارة؛ لأنه لم يزل مانعاً من الصلاة، فأشبه ما لو تبرد به، ولا خلاف بين العلماء أن ما استعمل في التبرد والتنظيف طاهر طهور غير مكروه.

ولا يصير الماء اليسير مستعملاً إذا اغترف منه المتوضئ عند غسل يديه؛ لأن المغترف لم يقصد بغمس يده إلا الاغتراف دون غسلها، ولأن النبي عليه السلام فيما رواه سعيد عن عثمان اغترف من إناء: “ثم غرف بيده اليمنى، فصب على ذراعه اليمنى، فغسلها إلى المرفقين ثلاثا”

وحكم المستعمل: أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث، كالشافعية.

وإن جمع الماء المستعمل فبلغ قلتين، ففيه وجهان: وجه: أنه على الأصل كما كان، ووجه: أنه طهور لقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث»، وإن اجتمع الماء المستعمل مع غير مستعمل فبلغ قلتين، صار الكل طهوراً.

ثالثها ـ ماء النبات من زهر أو ثمر، كماء الورد، أو الزهر، وماء البطيخ ونحوه من الفاكهة، طاهر غير مطهر.

النوع الثالث: الماء النجس

وهو الذي وقعت فيه نجاسة غير معفو عنها مثل قليل الأرواث، وكان الماء راكداً (غير جارٍ) قليلاً.

والقليل بالمساحة عند الحنفية: ما دون عشر في عشر بذراع العامة. فينجس وإن لم يظهر أثر النجاسة فيه.

وأما إذا كان عشراً في عشر بحوض مربع، أو ستة وثلاثين في مدور، وكان عمقه بحال لا تنكشف أرضه بالغَرف منه، على الصحيح، فلا ينجس إلا بظهور وصف النجاسة فيه.

وأما الماء الجاري فينجس بظهور أثر النجاسة فيه، والأثر: طعم النجاسة أو لونها أو ريحها.

وبذلك يكون الماء المتنجس نوعين:

الأول ـ ما كان طهوراً قليلاً، ووقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه.

الثاني ـ ما كان طهوراً وقعت فيه نجاسة غيَّرت أحد أوصافه الثلاثة.

حكم الماء النجس عند الفقهاء:

واتفق العلماء على نجاسة النوع الثاني الذي تغيرت فيه أحد أوصاف الماء (طعمه أو لونه أو ريحه) كما أن الشافعية والحنابلة وافقوا الحنفية في نجاسة النوع الأول إلا ما يعفى عنه عند الشافعية كميتة ما لا دم له سائل مثل الذباب والنحل إذا وقع بنفسه أو ألقته الرياح.

وقال المالكية في أرجح الروايات بطهورية النوع الأول وهو الماء القليل الذي

وقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه، لكنه مكروه، مراعاة للخلاف

والمتنجس عند أكثر الفقهاء لا ينتفع به ولا يستعمل في طهار ة ولا في غيرها إلا في نحو سقي بهيمة أو زرع، أو في حالة الضرورة كعطش.

حد قلة الماء وكثرته عند الفقهاء:

الكثرة عند أبي حنيفة: هو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حركه آدمي من أحد طرفيه، لم تسْرِ الحركة إلى الطرف الثاني منه.

والقلة: ما كان دون عشر في عشر من أذرعة العامة

ولا حد لكثرة في مذهب المالكية فلم يحدوا لها حداً مقدراً، والماء اليسير المكروه: هو ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل، فما دونها. فإذا حلت فيه نجاسة قليلة كالقطرة، ولم تغيره، فإنه يكره استعماله في رفع حدث أو إزالة خبث، أو متوقف على طهارة كالطهارة المسنونة والمستحبة، ولا كراهة في استعماله في العادات.

والحد الفاصل عند الشافعية والحنابلة بين القليل والكثير: هو القلتان، من قُلال هجَر: وهو خمس قِرَب، في كل قربة مئة رطل عراقي، فتكون القلتان خمس مئة رطل بالعراقي.

فإذا بلغ الماء قلتين، فوقعت فيه نجاسة، جامدة أو مائعة، ولم تغير طعمه أو لونه، أو ريحه، فهو طاهر مطهر، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين، لم يحمل الخبَث»

قال الحاكم: على شرط الشيخين (أي البخاري ومسلم)، وفي رواية لأبي داود وغيره بإسناد صحيح: «فإنه لا ينْجُس» وهو المراد بقوله: «لم يحمل الخبث» أي يدفع النجس ولا يقبله.

فإن وقعت النجاسة في مائع كثير غير مائع، ولو بمقدار قلتين فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، لأن الماء يشق حفظه عن النجس، بخلاف غيره وإن كثر.

وإن تغير أحد أوصاف الماء الكثير (القلتين)، ولو تغيراً يسيراً، فنجس بالإجماع المخصص لحديث القلتين ولحديث الترمذي وابن حبان: «الماء لا ينجسه شيء»، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت للماء طعماً أو لوناً أو رائحة، أنه نجس، ما دام كذلك.

للمزيد اقرأ: الفقه الاسلامي وأدلته

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد