مرضعة النبي وحادثة شق الصدر

46

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أول من أرضع النبي صلى الله عليه وسلم:

ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيماً، في بيت من أشرف بيوت العرب، وقد اصطفاه الله تعالى من بين البشر، حيث إن نسبه عليه الصلاة والسلام من لدن آدم عليه السلام من أطهر الأنساب، مصداقاً لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنَّ اللهَ خلَق الخلقَ فجعلني في خيرِ خَلْقِه وجعَلَهم فِرقتين فجعلَني في خيرِ فِرْقةٍ وخلَق القبائلَ فجعلَني في خيرِ قبيلةٍ وجعَلَهم بُيُوتًا فجعَلَني في خيرِهم بيتًا فأنا خيرُكم بيتًا وخيرُكم نفْسًا)

وبعد ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعتبر أول مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم كانت ثويبة مولاة أبي لهب، وقد دل على ذلك ما روي عن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها أنها قالت: (يا رسولَ اللهِ، انْكِحْ أختي بنتَ أبي سفيانَ، فقال: أوتحبين ذلك؟ فقلت: نعم، لستُ لك بمُخلِيَةٍ، وأَحبُّ من شاركني في الخيرِ أختي، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إن ذلك لا يحلُّ لي. قلتُ: فإنَّا نُحدِّثُ أنك تريدُ أن تَنْكِحَ بنتَ أبي سلمةَ؟ قال: بنتَ أمِّ سلمةَ. قلتُ: نعم، فقال: لو أنها لم تكن ربيبتي في حَجْري ما حلَّت لي، أنها لابنةُ أخي من الرَّضاعةِ، أرضعتني وأبا سَلمةَ ثُوَيْبَةُ، فلا تُعْرِضْن عليَّ بناتَكن ولا أخواتَكن قال عُروةُ: وثُوَيْبةُ مولاةٌ لأبي لهبٍ).

مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم:

بعد موت والد النبي صلى الله عليه وسلم عني به جده عبد المطلب واسترضع له- على عادة العرب إذ ذاك- امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب اختارها لتكون مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم، اقرأ أيضاً: نسب النبي محمد صلى الله عليه وسلم

وقد أجمع رواة السيرة أن بادية بني سعد كانت تعاني إذ ذاك سنة مجدبة قد جفّ فيها الضرع ويبس الزرع، فما هو إلا أن صار محمد صلّى الله عليه وسلم في منزلمرضعة النبي صلى الله عليه وسلم حليمة السعدية  واستكان إلى حجرها وثديها حتى عادت منازل حليمة من حول خبائها ممرعة مخضرّة فكانت أغنامها تروح منها عائدة إلى الدار شباعا ممتلئة الضرع.

ويدل ما اتفق عليه رواة السيرة النبوية من أن منازل مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم حليمة السعدية عادت ممرعة مخضرّة بعد أن كانت مجدبة قاحلة، وعاد الدرّ حافلا في ضرع ناقتها الكبيرة المسنة بعد أن كان يابسا لا يتندى بقطرة لبن، يدل ذلك على علوّ شأن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ورفعة مرتبته عند ربّه حتى عندما كان طفلا صغيرا كغيره من الأطفال.

فقد كان من أبرز مظاهر إكرام الله له أن أكرم بسببه بيت مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم حليمة السعدية التي تشرفت بإرضاعه. وليس في ذلك من غرابة ولا عجب، فقد علمتنا شريعتنا الإسلامية أن نستسقي عند انحباس المطر ببركة الصالحين من الناس ومن أهل بيت محمد صلّى الله عليه وسلم رجاء استجابة الله لدعائنا، فكيف إذا تشرف المكان برسول الله صلّى الله عليه وسلم، وهو طفل رضيع قد استكان إلى حجر حليمة والتقم ثديها؟

إن من الجدير أن تكون سببيته لاخضرار الأرض المجدبة من حوله أبلغ من سببية قطر السماء وينابيع الأرض. وما دام الكل بيد الله وهو وحده مسبب الأسباب جميعها فأجدر برسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يكون في مقدمة أسباب البركة والإكرام الإلهي ذلك أنه رحمة الله إلى الناس بصريح تبيانه سبحانه وتعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ

الحكمة من رضاعة حليمة للنبي صلى الله عليه وسلم:

لقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن لا يكون للمبطلين من سبيل إلى مثل هذه الريبة، فنشّأ رسوله بعيدا عن تربية أبيه وأمه وجدّه، وحتى فترة طفولته الأولى، فقد شاء الله عز وجل أن يقضيها في بادية بني سعد بعيدا عن أسرته كلها، ولما توفي جدّه وانتقل إلى كفالة عمه أبي طالب الذي امتدت حياته إلى ما قبل الهجرة بثلاث سنوات، كان من تتمة هذه الدلالة أن لا يسلم عمه، حتى لا يتوهم أن لعمه مدخلا في دعوته، وأن المسألة مسألة قبيلة وأسرة وزعامة ومنصب.

وهكذا أرادت حكمة الله أن ينشأ رسوله يتيما، تتولاه عناية الله وحدها بعيدا عن الذراع التي

تمعن في تدليله والمال الذي يزيد في تنعيمه، حتى لا تميل به نفسه إلى مجد المال والجاه، وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة، فتلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا، وحتى لا يحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول إلى الثاني.

 حادثة شق الصدر:

وقد حصلت أثناء وجوده صلّى الله عليه وسلم في بادية بني سعد (حادثة شق الصدر) التي رواها مسلم، ثم أعيد بعدها إلى أمه وقد تمّ له من العمر خمس سنوات.

تعد حادثة شق الصدر التي حصلت له عليه الصلاة والسلام أثناء وجوده في مضارب بني سعد من إرهاصات النبوة ودلائل اختيار الله إياه لأمر جليل، وقد رويت هذه الحادثة بطرق صحيحة وعن كثير من الصحابة منهم أنس بن مالك فيما يرويه مسلم في صحيحه: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرجه، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده إلى مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه- مرضعته- ينادون: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو ممتقع اللون»

وليست الحكمة من هذه الحادثة- والله أعلم- استئصال غدة الشر في جسم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، إذ لو كان الشر منبعه غدة في الجسم أو علقة في بعض أنحائه، لأمكن أن يصبح الشر خيراً بعملية جراحية. ولكن يبدو أنّ الحكمة هي إعلان أمر الرسول صلّى الله عليه وسلم وتهيؤه للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية، ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته. إنها إذن عملية تطهير معنوي، ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي، ليكون فيه ذلك الإعلان الإلهي بين أسماع الناس وأبصارهم.

ينبغي أن نعلم بأن ميزان قبولنا للخبر إنما هو صدق الرواية وصحتها فإذا ثبتت الرواية ثبوتا بيّنا فلا مناص من قبوله موضوعا على الرأس، وميزاننا لفهمه حينئذ دلالات اللغة العربية وأحكامها. والأصل في الكلام الحقيقة، ولو أنه جاز لكل باحث وقارئ أن يصرف الكلام عن حقيقته إلى مختلف الدلالات المجازية ليتخير من بينها ما يروق له، لا نشلّت قيمة اللغة وفقدت دلالتها وتاه الناس في مفاهيمها.

وجميع ما ‏ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب ‏التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك).

للمزيد أكثر اقرأ كتاب فقه السيرة النبوية 

 

 

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد